الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : اثْنانِ خبر عن شَهادَةُ ، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه ، والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز . فما صدق اثْنانِ شاهدان ، بقرينة قوله شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ، وقوله : ذَوا عَدْلٍ . وهذان الشاهدان هما وصيّان من الميّت على صفة وصيّته وإبلاغها ، إلّا أن يجعل الموصي وصيا غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك . والعدل والعدالة متّحدان ، أي صاحبا اتّصاف بالعدالة . ومعنى مِنْكُمْ من المؤمنين ، كما هو مقتضى الخطاب بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، لأنّ المتكلّم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدلّ على بعضه كان معناه أنّه بعض أصحاب الوصف ، كما قال الأنصار يوم السقيفة : منّا أمير ومنكم أمير . فالكلام على وصية المؤمنين . وعلى هذا درج جمهور المفسّرين ، وهو قول أبي موسى الأشعري ، وابن عبّاس ، وسعيد بن المسيّب ، وقتادة ، والأئمة الأربعة . وهو الذي يجب التعويل عليه ، وهو ظاهر الوصف بكلمة مِنْكُمْ في مواقعها في القرآن . وقال الزهري ، والحسن ، وعكرمة : معنى قوله مِنْكُمْ من عشيرتكم وقرابتكم . ويترتّب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو مِنْ غَيْرِكُمْ أنّه من غير أهل ملّتكم . فذهب فريق ممّن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصّة ، وخصّوا ذلك بالذمّي ، وهو قول أحمد ، والثوري ، وسعيد بن المسيّب ، ونسب إلى ابن عبّاس ، وأبي موسى . وذهب فريق إلى أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، ونسب إلى زيد بن أسلم . وقد تمّ الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ . وقوله : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ الآيات . . تفصيل للحالة التي تعرض في السفر . و ( أو ) للتقسيم لا للتخيير ، والتقسيم باعتبار اختلاف الحالين : حال الحاضر وحال المسافر ، ولذلك اقترن به قوله : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، فهو قيد لقوله : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ . وجواب الشرط في قوله : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ محذوف دلّ عليه قوله : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ، والتقدير : إن أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخرين من غيركم ، فالمصير إلى شهادة شاهدين من غير المسلمين عند من يراه مقيّد بشرط إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ . والضرب في الأرض : السير فيها . والمراد به السفر ، وتقدّم عند قوله